أبي نعيم الأصبهاني

261

حلية الأولياء وطبقات الأصفياء

الآخذين ، وأمر بالجد في العمل وكان من المقصرين ، وحث على الاجتهاد ولم يكن من المجتهدين ، إلا قل قبول المستمعين لقيله ، ونفرت قلوبهم لما يرون من فعله ، وكان حجة لمن جعل التأويل سببا إلى اتباع هواه ، ومسهلا لسبيل من آثر آخرته على دنياه . أما سمعت اللّه تعالى يقول وقد وصف نبيه شعيبا وهو شيخ الأنبياء ، وعظيم من عظماء الرسل والأولياء ، وهو يقول : ( وَما أُرِيدُ أَنْ أُخالِفَكُمْ إِلى ما أَنْهاكُمْ عَنْهُ ) وقول اللّه جل ذكره لمحمد المصطفى صلى اللّه عليه وسلم ( قُلْ ما سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ ) وأمر اللّه له بالدعاء إليه بقوله عز من قائل ( ادْعُ إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ) فهذه سيرة الأنبياء والرسل والأولياء . والذي يجب يا أخي على من فضله اللّه بالعلم به ، والمعرفة له ، أن يعمل في استتمام واجبات الأحوال ، وأن يصدق القول منه الفعل بذلك أولا عند اللّه ويحظى به من اتبعه آخرا . واعلم يا أخي أن للّه ضنائن من خلقه أودع قلوبهم المصون من سره ، وكشف لهم عن عظيم أثرهم به من أمره فهم بما استودعهم من ذلك حافظون ، وبجليل قدر ما أمنهم عليه علماء عارفون ، قد فتح لما اختصهم به من ذلك أزهانهم ، وقرب من لطيف الفهم عنه لما أراده أفهامهم ، ورفع إلى ملكوت عزه همومهم ، وقرب من المحل الأعلى بالأدناء إلى مكين الايواء بحبهم ، وأفرد بخالص ذكره قلوبهم ، فهم في أقرب أماكن الزلفى لديه ، وفي أرفع مواطن المقبلين به عليه ، أولئك الذين إذا نطقوا فعنه يقولون ، وإذا سكتوا فبوقار العلم به يصمتون . وإذا حكموا فبحكمه لهم يحكمون . جعلنا اللّه يا أخي ممن فضله بالعلم ، ومكنه بالمعرفة ، وخصه بالرفعة ، واستعمله بأكمل الطاعة ، وجمع له خيرى الدنيا والآخرة . * أخبر جعفر بن محمد بن نصر - في كتابه - وحدثني عنه محمد بن إبراهيم قال قال أبو القاسم الجنيد بن محمد - وسئل عن ما تنهى الحكمة - فقال : الحكمة تنهى عن كل ما يحتاج أن يعتذر منه ، وعن كل ما إذا غاب علمه عن غيرك أحشمك ذكره في نفسك . فقال له السائل فبم تأمر الحكمة ؟